ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
34
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ( 1 ) » وهذه استعارة والمراد بسكرة الموت هاهنا الكرب الذي يتغشى المحتضر عند الموت فيفقد له تمييزه ويفارق معه معقولة فشبه تعالى ذلك بالسكرة من الشراب إلا أن تلك السكرة منعمة وهذه السكرة مؤلمة وقوله تعالى بِالْحَقِّ يحتمل معنيين أحدهما أن يكون وجاءت بالحق من أمر الآخرة حتى عرفه الإنسان إما اضطرارا أو رآه جهارا والآخر أن يكون المراد بالحق هاهنا أي بالموت الذي هو الحق وقوله تعالى لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ وهذه استعارة والمراد بها ما يراه الإنسان عند زوال التكليف من أعلام الساعة وأشراط القيامة فيزول عنه اعتراضات الشكوك وشبهات ( 2 ) الأمور فيصدق بما كذب ويقر بما جحد ويكون كأنه قد نفذ بصره بعد وقوف وأحد بعد كلال ونبو فهذا معنى قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ فيكون المعنى لمن كان له قلب ينتفع به لأن من القلوب ما لا ينتفع به إذا كان مائلا إلى الغي ومنصرفا عن الرشد باتباع الهوى ومعنى أَلْقَى السَّمْعَ أنه بالغ في الإصغاء إلى الذكرى وأشهدها قلبه فكان كالملقي إليها سمعه دنوا من سماعها وميلا إلى قائلها قوله تعالى وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ التي تلوم النفوس في يوم القيامة على تقصيرهن في التقوى أو التي لا تزال تلوم نفسها وإن اجتهدت في الإحسان . وعن الحسن البصري أن المؤمن لا تراه إلا لائما نفسه وأن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه ( 3 ) . « بعضهم » رجائي ظمآن ببابك فاسقه * فإني نبت قد توليت زرعه
--> ( 1 ) حاد عن الشيء تنحي وبعده . ( 2 ) في بعض النسخ [ مشتبهات ] . ( 3 ) مضى قد ما بضمتين : المضي أمام ، يقال مضى قدما .